ابن الزيات
313
التشوف إلى رجال التصوف
قد تمتّعت حقبة بأمور * لو تدبّرتها لكانت خيالا وكان أبو العباس ممن لا يروض نفسه إلا بالجد والتشمير . وكان يعمل بيده فيطعم إخوانه من كد يمينه ؛ وإذا كان معهم في موضع كان خديمهم . وعقد مع اللّه تعالى ألا يبيت وعنده معلوم يركن إليه . سمعت يوسف بن محمد الخزرجي يقول : كان ليلة عند أبي العباس الخراز ربع درهم . فطلب فقيرا يتصدق به عليه فلم يجده . فخرج إلى المسجد ، فلم يجد فقيرا يتصدق به عليه فجعله في كوة حائط ودخل منزله حتى لا يبيت معه شئ يشغل سره . أخبرني مخبر أن رجلا وصل من بجاية أخبره عن وفاة أبى العباس أنه نزل في فندق يخرز فيه ويعتزل الناس في بيت يعمل فيه . ثم جاءت إلى بجاية جماعة من الصالحين المنقطعين وسألوا عن الفندق الذي نزل فيه أبو العباس وقالوا : أين نزل هذا المراكشي ؟ فأرشدوا إليه . فلما اجتمعوا به قال لهم : أريد منكم ألا تشهرونى عن الناس فاتركونى . فقالوا له : إنما جئنا لنحضر جنازتك فأمرنا في النوم أن نأتى لحضور جنازتك . فودعوه وهو صحيح وخرجوا من الفندق ثم دخل في بيته وأغلقه عليه فافتقده أصحابه فوجدوه في البيت ميتا مستقبل القبلة . ومنهم 200 - أبو القاسم بن أبي الفضل من أهل سجلماسة وبها مات ليلة الخميس الثالث من رجب عام أحد وستمائة وكان عبدا صالحا . حدثني ابنه أبو عبد اللّه محمد قال : لما مرض أبى مرضه الذي مات منه قال لي : ما بقي من الليل ؟ فكرهت أن أعلمه أنه أول الليل لئلا يقلق بطوله فوريت له وقلت له : قد أذن محمد السكاك ؛ وكان يؤذن في أي وقت من الليل ولا يرتبط لوقت معلوم . فقال لي : أقول لك الليلة قولا ما قلته لأحد قط : طالما استقصرت الليل وأنا الآن أستطيله ، وطالما ختمت كتاب اللّه تعالى في ركعة واحدة .